ابن ميثم البحراني
161
شرح نهج البلاغة
من ذواتها وتضرّرها بها في الآن الَّذي تنقطع فيه علاقة النفس مع البدن أشبه ذلك ما تبيّن للإنسان عند المحاسبة ممّا أحصي عليه وله . فاطلق عليه لفظ الحساب . وذلك اليقين والاطَّلاع هو المشار إليه بقوله عليه السّلام : وقدّموا عليه ، وليس المقصود أنّ ما يقدم عليه في الآخرة هو عين ما أخذ من الدنيا بل ثمرته في النفوس من خير أو شرّ فالَّذي يتناوله الجاهلون منها لمجرّد التنعم بها فهو الَّذي يتمكَّن عنه هيئات السوء في جواهر نفوسهم فيقدمون عليها ويقيمون بها في عذاب جهنّم خالدون لا يفتّر عنهم وهم فيه مبلسون . الخامس : كونها عند ذوى العقول كفىء الظلّ ، ونبّه بهذا الوصف على سرعة زوالها ، وإنّما خصّص ذوى العقول بذلك لأمرين : أحدهما : أنّ المعتبر لزوالها عامل بمجرّد عقله دون هواه فلذلك نسب إلى العقل . الثاني : أنّ حال ذوى العقول مرغوب فيه لمن سمعه . ولمّا كان مقصوده تحذير السامعين من سرعة زوالها ليعملوا فيها لما بعدها نسب ذلك إلى ذوى العقول ليقتفي السامعون أثرهم . ثمّ أشار إلى وجه شبهها للظلّ بقوله : بينا تراه . إلى آخره : أي أنّها يسرع زوالها كما يسرع زواله ، وهو من التشبيهات السائرة ، ومثله قول الشاعر . ألا إنّما الدنيا كظلّ غمامة * أظلَّت يسيرا ثمّ حفّت فولَّت 61 - ومن خطبة له عليه السّلام واتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ - وابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ - وتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ - واسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ - وكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا - وعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا - فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ولَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى - ومَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ - إِلَّا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ - وإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ وتَهْدِمُهَا